عبد الكريم الخطيب
24
التفسير القرآنى للقرآن
المناداة عليهم بقوله : أيها الركب ، مثلا - في هذا دعوة لهم إلى أن يتوقفوا عن السير . . ولما كانت العير هي المنظور إليها عند هذا النداء ، لأنها هي المتحركة ، فقد حسن مخاطبتها ، لأنها هي المطلوبة أولا . . فإذا وقفت كان للمنادين شأنهم مع راكبيها . . ولهذا فإنه ما إن صدر النداء : « أَيَّتُهَا الْعِيرُ » حتى توقفت ، وما إن توقفت حتى كان الحديث إلى راكبيها : « إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ » ! « قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ . . ما ذا تَفْقِدُونَ ؟ » . . لقد لوى الركب زمام عيرهم عن السير إلى وجهتهم ، واستداروا بها نحو من يهتفون بهم ، ويلقون إليهم بهذه التهمة الشنعاء : « إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ » ! فقالوا لهم ، وقد أقبلوا عليهم : « ما ذا تفقدون » ؟ « قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ » . لقد كان الرد بلسان الجميع : « نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ » هذا هو ما سرق وذلك ما نتهمكم بسرقته . ! أما رئيس هذا الجمع المنطلق وراء القوم ، فإنه يتحدث إليهم بما يملك من سلطان ، لا يملكه غيره من جماعته . . فيقول بلسانه هو : « وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ » . . فهو يريد أن يأخذ الأمر بالحسنى ، وأن يستردّ الصّواع من آخذه ، في مقابل جعل جعله له ، وهو حمل بعير من الطعام ، وأنه كفيل وضامن لتحقيق هذا الوعد ! « قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ » . . أي لقد علمتم من أمرنا أننا ما جئنا لنحدث في أرضكم فسادا ، وإنّما جئنا تجارا لا سراقا . . « وَما كُنَّا سارِقِينَ » لهذا الصّواع الذي تدّعونه علينا . .